ابن عجيبة
507
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم بيّن أنه لا يطلب أجرا على الإنذار ؛ إزاحة للتهمة عنه ، فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 47 ] قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 47 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ عليه أي : على إنذارى وتبليغ الرسالة مِنْ أَجْرٍ ، إذ لو كنت كذلك لا تهمتمونى أنى أطمع في أموالكم . وما طلبت من ذلك فَهُوَ لَكُمْ ، ومعناه : نفى سؤاله الأجر رأسا . نحو : ما لي في هذا فهو لك ، وما تعطني تصدق به على نفسك . إِنْ أَجْرِيَ في ذلك إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فيعلم أنى لا أطلب الأجر في نصيحتكم ، ودعائكم إليه ، إلا منه تعالى . الإشارة : تقدم مرارا أن الدعاة إلى اللّه ينبغي لهم أن يتنزّهوا عن الطمع في الناس جهدهم ، ولو اضطروا إلى ذلك ؛ إذ لا يقع النفع العام على أيديهم إلا بعد الزهد التام ، والتعفف التام عما في أيدي الناس ، فإذا تحققوا بهذا الأمر جعلهم اللّه حجة ، يدمغ بهم على الباطل ، كما قال تعالى : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 48 إلى 50 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ( 49 ) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي : بالوحي ، فيرمى به على الباطل ، من الكفر وشبهه ، فيدمغه ، أو : يرمى به إلى أقطار الآفاق ، فيكون وعدا بإظهار الإسلام ، أو : يلقيه وينزله إلى أنبيائه . والقذف : رمى السهم ونحوه بدفع واعتماد ، ويستعار لمطلق الإلقاء ، ومنه : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ * « 1 » . تم وصف الرب بقوله : عَلَّامُ الْغُيُوبِ أي : هو علام الغيوب . قُلْ جاءَ الْحَقُّ أي : الإسلام ، أو : القرآن ، وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ أي : زال الباطل وهلك ، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي ، فعدمهما عين الهلاك ، والمعنى : جاء الحق وهلك الباطل ، كقوله : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ « 2 » قال الكواشي : المعنى : ذهب الباطل لمجىء الحق ، فلم يبق له بقية حتى يبدئ شيئا أو يعيده . ثم
--> ( 1 ) من الآية 26 من سورة الأحزاب . ( 2 ) الآية 81 من سورة الإسراء .